في تطوير التعليم العالي

بواسطة admin | تعليق 0 | 13 نوفمبر 2014

د. فارس حلمي – الجامعة الأردنية – عمان
اولا أتاحت الأيام التاريخية 25 يناير و30 يونيو وما تلاهما من تغييرات جوهرية فرصة للملايين من أبناء الأمة للمشاركة في بناء حاضر ومستقبل الوطن. ويستحق التعليم العالي كل الجهود المتاحة لتطويره لأنه حجر الزاوية في بناء النهضة القادمة، كما طالبت بذلك الدولة وهيئات المجتمع الرسمية والأهلية وتقارير الأمم المتحدة.
ثانيا – تصنيف مجالات العمل في الجامعات
يجدر بنا، تصنيف العاملين في الجامعات إلى عدة فئات تساعدنا على بلورة خطط الإصلاح والتطوير.
1. العاملون في المكتبة. وظيفة هؤلاء المباشرة وغير المباشرة هي شراء وتوفير العلم والمحافظة عليه وصيانته. والغاية هي تقديمه لمن يريد الإطلاع عليه أو استخدامه أو تطويره بإنتاج علم جديد.
وشكرا للتقنية الحديثة التي وفرت في بداية الألفية الثالثة من تاريخ البشرية جهازا صغيرا جدا (التلفون الذكي) قادر على استيعاب عدة آلآف من الكتب التي يمكن لأي طالب جامعي أن يمتلكها، كما انها تتيح الفرصة لحاملها الحصول على أية معلومة يبحث عنها في شتى الميادين وفي ثوان معدودات.
ونظرا لأن تكاليف توفير المكتبة أصبحت باهظة جدا نجد اليوم جامعات عديدة تتعاون في هذا الصدد, كما أن دولا عديدة أصبحت هي التي تتولى إنشاء مكتبات مركزية لخدمة جامعاتها, كما هو الحال في بريطانيا العظمى.
2. المترجمون، وظيفة هؤلاء نقل العلم من لغة إلى أخرى, لغاية ان لا تضطر كل أمة إلى اختراع العجل من جديد, وتتحمل تكاليف باهظة. ولنا في ماضينا المجيد ودار الحكمة أسوة ممتازة. وها هي كوريا الجنوبية تترجم سنويا إلى لغتها أكثر مما تمت ترجمته إلى اللغة العربية طيلة قرنين من الزمان.
وبدلا من توجيه إنتقادات للمدرسين في الجامعات، بسبب المذكرات التي يقدمونها للطلبة، علينا تطوير أنظمة الجامعات لتعمل على تشجيع الأساتذة الإقدام على ترجمة أمهات الكتب الأكاديمية في مياديين العلم المختلفة إلى اللغة العربية. وبهذه الطريقة نساعد الأساتذة على تطوير أدائهم في التدريس إضافة إلى تزويد المكتبة العربية بكل ما هو جديد في العلم. وسنتمكن بهذه الطريقة من توفير عدة آلآف من الكتب المترجمة في شتى مجالات العلم في أثناء فترة زمنية لا تزيد على عشر سنوات.
3. الأساتذة المحاضرون ويعمل هؤلاء في مجال إعداد (إنتاج) مطبقي العلم science practioners. أي نقل العلم إلى الطلبة وتدريبهم على ممارسته ليتقنوا تطبيقه بعد تخرجهم من الجامعة. وهذا هو عمل المدرسين والأساتذة في الجامعة، ويحتاج المجتمع سنويا إلى عشرات آلآف من الأطباء والمهندسين والمحاسبين والمهندسين المزارعين واللغويين والقانونيين…الخ. وبهذه الطريقة تصبح الجامعة مصنعا ينتج بالجملة خبراء مهنيين في جميع مجالات الحياة عن طريق خط إنتاج لا يختلف كثيرا عن خط إنتاج السيارات. ولا شك في أننا بحاجة ملحة إلى رفع مستوى كفاءة الخريجين. وتتطلب هذه المسألة زيادة نسبة جرعة التطبيق العملي في جامعاتنا لطلبتنا لكي يتخرجوا من الجامعة وهو أكثر قدرة على تطبيق ما يعرفونه.
4. إنتاج العلم أو البحث العلميscience production . هناك من يعمل في الجامعة في مجال اكتشاف حقائق جديدة أو قوانين علمية جديدة، أو نظريات جديدة تقود خطوات البحث العلمي المستقبلي. وتختلف هذه الوظيفة اختلافا كيفيا عن وظيفة إعداد من سيقومون بتطبيق العلم science practioners .
5. العاملون في مجال توفير بيئة مناسبة لنجاح ممارسة هذه النشاطات المختلفة، أي نجاح عمليتي إنتاج العلم وإنتاج من سيقومون بتطبيق العلم، فوجود قاعات مناسبة للتدريس، وقاعات أخرى مناسبة لإجراء التجارب العلمية إضافة إلى مباني الخدمات الأخرى من قبيل المكتبة والمطاعم وأماكن الراحة والمراحيض وممارسة الرياضة أمور ضرورية لنجاح الجامعة في تحقيق غاياتها, إنتاج العلم وإنتاج من سيقومون بتطبيقه.
ما سبق ذكره يعني أن التطوير لا بد أن يشمل جميع جوانب العمل في الجامعة وليس الأساتذة فقط. التطوير والتحسين لا بد ان يتناول جميع عناصر العمل في الجامعة، فوجود خلل في أحد جوانب العملية التعليمية في الجامعة كفيل بإضطراب الجوانب الأخرى وإصابتها بالشلل وبالفشل.

أي لا بد أن يشمل الإصلاح جميع جوانب النشاط التعليمي في الجامعة.
وفي حديث لأحمد زوويل (مع حفظ الألقاب) قال لو أنه عاد “إلى جامعة الاسكندرية مباشرة بعد حصوله على درجة الدكتوراه من الولايات المتحدة لأصبح حاله مماثل تماما لحال الأساتذة والمدرسين في جامعة الاسكندرية حاليا، وبالتأكيد لما أنجز ما أنجزه في الولايات المتحدة، ولما حصل على جائزة نوبل أيضا. إذن، تحسين البيئة التنظيمية والعلمية في الجامعات عملية ضرورية لتطوير مستوى الخريجين والبحوث العلمية.

ثالثا – ملاحظات على المشهد الأكاديمي في عالم بداية الألفية الثالثة
1. تقدم المعرفة العلمية أصبح سريعا جدا. وكثير من المعلومات تصبح قديمة بعد أن يمر على إكتشافها وقت ليس بالطويل. وعليه فإن حشو أدمغة الطلبة بمعلومات كثيرة قد تصبح قديمة بعد فترة وجيزة أصبح أمر عبثي وضار. وبدلا من ذلك على الجامعات تعليم الطلبة كيف يواصلوا بأنفسهم عملية التعلم والبحث عن المعرفة العلمية الحديثة بعد تخرجهم من الجامعة. وتفرض هذه الملاحظة ضرورة إعادة صياغة برامج التدريس للإهتمام بتعريف الطلبة كيفية الوصول إلى الحقائق العلمية، وكيفية التمييز بين ما هوعلمي وما هو غير علمي.
2. كما يتطلب الأمر، بسبب التغيرات الهائلة في مجالات العمل والانتاج والإدارة ضرورة إعداد نظام جديد للجامعات يتخرج بموجبه الطالب بتخصص رئيسيي إضافة إلى تخصصين فرعيين إضافيين أو تخصص فرعي واحد على أقل تقدير. فقد ولى زمن الاكتفاء بتخصص رئيسي واحد فقط نظرا لسرعة التطور العلمي وميلاد علوم جديدة وأغلب الظن أن عصر التلفونات الذكية والألواح الكمبيوترية سيؤدي إلى تغيير جوهري في مجال التعليم بصفة عامة ليصبح تعلم الفرد متواصلا طيلة حياته.
3. العلم الحديث أصبح عملا جماعيا وليس فرديا. فإذا تصفحنا أي دورية علمية عالمية، سنجد أن متوسط عدد الباحثين الذين يشتركون في بحث واحد يبلغ خمسة باحثين تتصدر أسماؤهم أي بحث علمي منشور. وليس من النادر أن يزيد عدد أسماء المشاركين في البحث الواحد عن عشرون إسما لعلماء مرموقين على صعيد العالم (أنظر مجلات: Science ، Nature). وفي أحايين قليلة قد يصل عدد المشاركين في البحث الواحد إلى خمسين باحثا من مختلف القارات. وهذا ما يجب أن تعمل على تشجيعه أنظمة الجامعات العربية. ويتطلب الأمر إنشاء مراكز بحث في الجامعات على الطريقة الألمانية (مراكز ماكس بلانك البحثية في الجامعات الألمانية). أي أن عملية التدريس وإعداد الخريجين الذين تناط بهم واجبات تطبيق العلم منفصلة ومنعزلة عن عملية إنتاج العلم أي البحث العلمي. بعبارة أخرى, يجب أن تتم عملية تقييم الباحثين والمدرسين بطريقتين مختلفتين. فكل منهما يتم تقييم آدائة على أساس من واجباته التي يؤديها يوميا.
4. التعاون بين العلماء عابر للقارات وللحدود والجامعات. فكل باحث يكون عضوا فاعلا في أكثر من فريق بحثي واحد في جامعته حيث يعمل، وفريق آخر على صعيد العالم. ويتطلب هذا التعاون المشاركة في المؤتمرات الدولية مرة واحدة على الأقل سنويا ليتعرف المتخصصون في كل بلد او جامعة على ما يقوله زملاؤهم في البلاد البعيدة. ولهذا فإن حضور المؤتمرات أمر في غاية الأهمية لكل أكاديمي منتج للعلم، ولكن هذا النشاط يتطلب تكاليف باهظة لسوء الحظ.
5. تشجيع البحث العلمي. لكل دولة في هذا العالم أولويات وميزانيات سنوية محددة. وعليه فهي تنفق ما تخصصه من ميزانية للبحث العلمي وفق الأولويات التي يتم تحديدها مسبقا بوساطة أعلى هيئة للتخطيط في الوطن. فقد كان تشرتشل شخصيا هو الذي يتابع فريقا من علماء الذرة في أثناء الحرب العالمية الثانية، وكان يتابع شخصيا أيضا من كانوا يقومون بتطوير جهاز فك الشيفرة الألمانية. أما مجالات البحث التي تقع خارج أولويات الدولة فهي ليست من شأن الدولة، لكنها لا تمنعها ولا تمولها ولا تتحمل أوزارها.
6. قد تكون الأولوية الأولى أن نعلم ما هو معلوم. ولا يوجد ما يدعونا إلى إختراع الكتابة. بل إن الترجمة والتأليف فيما هو معلوم قد يكونان نقطة البداية المناسبة لظروفنا الراهنة لتبدأ نهضة جديدة. وهذا ما فعلته الصين والهند وكوريا ومصر وأوروبا في مختلف المراحل الحضارية السابقة.
7. ربما كان من المناسب أن تطلب الجامعات من مدرسي الجامعات ترجمة كتاب علمي حديث في مجالات تخصصهم كل ثلاث أو اربع سنوات. ومثل هذا النشاط لا يتناقض على الإطلاق مع العمل التدريسي والتعليمي بل قد يحسنه ويجعله أفضل. وبهذه الطريقة يمكن تجديد المكتبة العربية عن طريق الترجمة والتأليف فيما هو معروف ومعلوم.
8. الحوار المجتمعي والمؤتمرات العلمية في الجامعات ”
وقد يطلب المجتمع (الدولة أو المؤسسات الاقتصادية) من الجامعة عقد مؤتمر علمي يدوم عدة أيام لمناقشة موضوع معين يهم أمره الوطن والدولة بصفة استثنائية. وفي هذه الحالة يجتمع المختصون والخبراء من الوطن ومن مختلف بلاد العالم لإجراء حوار علمي على أرفع مستوى. كيف لا والمتحاورون هم الأكثر علما وخبرة في موضوع المناقشة على صعيد العلم كله. هذا هو الحوار الذي يثري الحوار المجتمعي ويرقى به إلى أعلى مستوى ممكن. هذا هو الحوار المجتمعي العلمي الذي يفحص جميع جوانب المشكلة وأبعادها واحتمالات تطورها. الحوار المجتمعي المعاصر يحدث عن طريق الصحافة المقروءة والمرئية والمسموعة ومواقع التواصل الاجتماعي. وهناك من يقوم رسميا برصد جميع الأفكار والآراء الخاصة بشأن موضوع معين, ويعمل على تبويبها ليستفيد منها من يهمه الأمر.
9. بنك الطاقة والمياه لوادي النيل أو للبلاد العربية والإفريقية
دعونا نتخيل أن جامعة مصرية دعت إلى مؤتمر علمي عالمي متخصص لبحث موضوع من قبيل تطوير مصادر المياه والطاقة في مصر. فماذا قد ينتج عن ذلك المؤتمر العلمي العالمي الذي قد يشارك فيه نخبة متميزة من الخبراء في موضوعي الطاقة والمياه في مصر والعالم. ينتج أولا عن ذلك ثروة حقيقية من الأوراق والمقالات العلمية تتناول جميع جوانب هذا الموضوع أو الموضوعات.
وقد ينبثق عن خيال أحد المشتركين في المؤتمر من إحدى الجامعات ضرورة الاستعداد جماعيا للمستقبل المشترك لأبناء الإقليم بإنشاء بنك للطاقة والمياه لجميع بلاد حوض النيل. فجميع بلاد حوض النيل أو جميع البلاد العربية والأفريقية إما فقيرة في الطاقة أو فقيرة في المياه أو في كليهما.
وقد تتولى مصر المبادرة وتدعو إلى إنشاء مثل هذا البنك المتخصص في تمويل وتطوير مشاريع الطاقة والمياه بشروط مواتية. وفي حقيقة الأمر ليس مطلوبا العمل على المحافظة على حصة مصر الحالية من مياه وادي النيل فقط، فهي غير كافية ولا بد من زيادتها. المطلوب زيادتها بعشرين أو ثلاثسن مليار من الأمتار المكعبة من المياه بوساطة مشاريع تقوم مصر بتصميمها والدعوة لإنشائها في جميع بلدان حوض النيل وكذلك حوض نهر الكونغو.
إنشاء بنك راسماله عدة مليارات من الدولارات وبدء تنفيذ خطة طموحة لبناء عدة سدود وقنوات في حوض النيل في آن معا لإنتاج الطاقة وتوفير المياه لأبناء وادي النيل والبلاد العربية والأفريقية كفيل بالقضاء على عوامل الفرقة والنزاع. وهذا الأمر لا يعحز عنه من نجحوا في تمويل مشروع قناة السويس الجديدة في أيام معدودات.
وخلاصة القول أن تطوير التعليم العالي ليواكب العصر ضروري لنجاح مشروع النهضة القادمة.

 مقالات ذات صلة

 أكتب تعليق